القرطبي
37
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الخصال بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف ( 1 ) الخبز والماء " أخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معد يكرب . وسئل سهل بن عبد الله : بم يسهل على العبد ترك الدنيا وكل الشهوات ؟ قال : بتشاغله بما أمر به . الحادية عشرة - قوله تعالى : ( والله عنده حسن المآب ) ابتداء وخبر . والمآب المرجع ، آب يؤوب إيابا إذا رجع ، قال امرؤ القيس : وقد طوفت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيم بالإياب وقال آخر : وكل ذي غيبة يؤوب * وغائب الموت لا يؤوب وأصل مآب مأوب ، قلبت حركة الواو إلى الهمزة وأبدل من الواو ألف ، مثل مقال . ومعنى الآية تقليل الدنيا وتحقيرها والترغيب في حسن المرجع إلى الله تعالى في الآخرة . قوله تعالى : قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنت تجرى من تحتها الأنهر خالدين فيها وأزوج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد ( 15 ) . منتهى الاستفهام عند قوله : " من ذلكم " ، " للذين اتقوا " خبر مقدم ، و " جنات " رفع بالابتداء . وقيل : منتهاه " عند ربهم " ، و " جنات " على هذا رفع بابتداء مضمر تقديره ذلك جنات . ويجوز على هذا التأويل " جنات " بالخفض بدلا من " خير " ولا يجوز ذلك على الأول . قال ابن عطية : وهذه الآية والتي قبلها نظير قوله عليه السلام : " تنكح المرأة لأربع لما لها وحسبها وجمالها ودينها فاظفر بذات الدين تربت ( 2 ) يداك " خرجه مسلم وغيره . فقوله " فاظفر بذات الدين " مثال لهذه الآية . وما قبل مثال للأولى . فذكر تعالى هذه تسلية عن الدنيا وتقوية لنفوس تاركيها . وقد تقدم في البقرة معاني ( 3 ) ألفاظ هذه الآية .
--> ( 1 ) الجلف ( بكسر فسكون ) : الخبز وحده لا أدم معه ، وقيل : هو الخبر الغليظ اليابس . ( 2 ) راجع هامشة 1 ص 29 من هذا الجزء . ( 3 ) راجع ج 1 ص 238 فما بعد .